فصل: الآية رقم ‏(‏111 ‏:‏ 112‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏110‏)‏

‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير‏}‏

قوله تعالى‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏{‏ تقدم‏.‏ والحمد لله تعالى‏.‏ ‏{‏وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏{‏ جاء في الحديث ‏(‏أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم‏)‏‏.‏ وخرج البخاري والنسائي عن عبدالله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله‏.‏ مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت‏)‏،‏"‏ لفظ النسائي‏.‏ ولفظ البخاري‏"‏‏:‏ قال عبدالله قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال‏:‏ ‏(‏فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر‏)‏‏.‏ وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال‏:‏ السلام عليكم أهل القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت‏.‏ فأجابه هاتف‏:‏ يا ابن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه‏.‏ ولقد أحسن القائل‏:‏

قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس إلى الخلود سبيل

وقال آخر‏:‏

قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن

وقال آخر‏:‏

ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والقوم حولك يضحكون سرورا

فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا

وقال آخر‏:‏

سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلم

وقدم الخير فكل امرئ على الذي قدمه يقدم

وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية‏:‏

إسعد بمالك في حياتك إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسد

وإذا تركت لمفسد لم يبقه وأخو الصلاح قليله يتزيد

وإن استطعت فكن لنفسك وارثا إن المورث نفسه لمسدد

‏{‏إن الله بما تعملون بصير‏{‏ تقدم‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏111 ‏:‏ 112‏)‏

‏{‏وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم‏{‏ المعنى‏:‏ وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا‏.‏ وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا‏.‏ وأجاز الفراء أن يكون ‏{‏هودا‏{‏ بمعنى يهوديا، حذف منه الزائد، وأن يكون جمع هائد‏.‏ وقال الأخفش سعيد‏{‏إلا من كان‏{‏ جعل ‏{‏كان‏{‏ واحدا على لفظ ‏{‏من‏{‏، ثم قال هودا فجمع، لأن معنى ‏{‏من‏{‏ جمع‏.‏ ويجوز ‏{‏تلك أمانيهم‏{‏ وتقدم الكلام في هذا، والحمد لله‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل هاتوا برهانكم‏{‏ أصل ‏{‏هاتوا‏{‏ هاتيوا، حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، يقال في الواحد المذكر‏:‏ هات، مثل رام، وفي المؤنث‏:‏ هاتي، مثل رامي‏.‏ والبرهان‏:‏ الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه براهين، مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين‏.‏ قال الطبري‏:‏ طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه‏.‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏{‏ يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة، أي بينوا ما قلتم ببرهان، ثم قال تعالى‏{‏بلى‏{‏ ردا عليهم وتكذيبا لهم، أي ليس كما تقولون‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏بلى‏{‏ محمولة على المعنى، كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد‏؟‏ فقيل‏{‏بلى من أسلم وجهه لله‏{‏ ومعنى ‏{‏أسلم‏{‏ استسلم وخضع‏.‏ وقيل‏:‏ أخلص عمله‏.‏ وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العز والذل‏.‏ والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء‏.‏ ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد‏.‏ ‏{‏وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏{‏ جملة في موضع الحال، وعاد الضمير في ‏{‏وجهه‏{‏ و‏{‏له‏{‏ على لفظ ‏{‏من‏{‏ وكذلك ‏{‏أجره‏{‏ وعاد في ‏{‏عليهم‏{‏ على المعنى، وكذلك في ‏{‏يحزنون‏{‏ وقد تقدم‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏113‏)‏

‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء‏}‏

معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء، وأنه أحق برحمة الله منه‏.‏ ‏{‏وهم يتلون الكتاب‏{‏ يعني التوراة والإنجيل، والجملة في موضع الحال‏.‏ ‏{‏كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏{‏ والمراد ‏{‏بالذين لا يعلمون‏{‏ في قول الجمهور‏:‏ كفار العرب، لأنهم لا كتاب لهم‏.‏ وقال عطاء‏:‏ المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى‏.‏ الربيع بن أنس‏:‏ المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى‏.‏ ابن عباس‏:‏ قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت كل فرقة منهم للأخرى لستم على شيء، فنزلت الآية‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏114‏)‏

‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها‏{‏ ‏{‏ومن‏{‏ رفع بالابتداء، و‏{‏أظلم‏{‏ خبره، والمعنى لا أحد أظلم‏.‏ و‏{‏أن‏{‏ في موضع نصب على البدل من ‏{‏مساجد‏{‏، ويجوز أن يكون التقدير‏:‏ كراهية أن يذكر، ثم حذف‏.‏ ويجوز أن يكون التقدير‏:‏ من أن يذكر فيها، وحرف الخفض يحذف مع ‏{‏أن‏{‏ لطول الكلام‏.‏ وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه‏.‏ وقيل الكعبة، وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم‏.‏ وقيل‏:‏ المراد سائر المساجد، والواحد مسجد بكسر الجيم ومن العرب من يقول‏:‏ مسجد، بفتحها قال الفراء كل ما كان على فعل يفعل، مثل دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دخل يدخل مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك‏:‏ المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق من رفق يرفق والمنبت والمنسك من نسك ينسك فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم‏{‏‏.‏ والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود‏.‏ والآراب السبعة مساجد، قاله الجوهري‏.‏

واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت، فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر، لأنه كان أخرب بيت المقدس‏.‏ وقال ابن عباس وغيره‏:‏ نزلت في النصارى، والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة‏!‏ وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه‏.‏ ومعنى الآية على هذا‏:‏ التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له، وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود‏.‏ روى سعيد عن قتادة قال‏:‏ أولئك أعداء الله النصارى‏.‏ حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس‏.‏ وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم، وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية‏.‏ وقيل‏:‏ المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى اعلم‏.‏

خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل‏:‏ اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه‏.‏

ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضرورة، سواء كان لها محرم أو لم يكن، ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تمنعوا إماء الله مساجد الله‏)‏ ولذلك قلنا‏:‏ لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه، ولذلك قلنا‏:‏ لا يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلي في مسجد جماعتان‏.‏ وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة ‏{‏براءة‏{‏ إن شاء الله تعالى، وفي ‏{‏النور‏{‏ حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى‏.‏ ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما‏.‏

كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏)‏،‏"‏ أخرجه الأئمة‏"‏‏.‏ وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك‏.‏

قوله تعالى‏{‏أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏}‏ ‏{‏أولئك‏{‏ مبتدأ وما بعده خبره‏.‏ ‏{‏خائفين‏{‏ حال، يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها‏.‏ فإن دخلوها، فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها‏.‏ وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال، على ما يأتي في ‏{‏براءة‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم‏.‏ ومن جعلها في قريش قال‏:‏ كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو خبر ومقصوده الأمر، أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا، كقوله‏{‏وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله‏}‏الأحزاب‏.‏ 53‏]‏ فإنه نهي ورد بلفظ الخبر‏.‏

قوله تعالى‏{‏لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏{‏ قيل القتل للحربي، والجزية للذمي، عن قتادة‏.‏ السدي‏:‏ الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية، وغير ذلك من مدنهم، على ما ذكرناه في كتاب التذكرة‏.‏ ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏115‏)‏

‏{‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولله المشرق والمغرب‏{‏ ‏{‏المشرق‏{‏ موضع الشروق‏.‏ ‏{‏والمغرب‏{‏ موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع، كما تقدم‏.‏ وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا، نحو بيت الله، وناقة الله، ولأن سبب الآية اقتضى ذلك، على ما يأتي‏.‏

قوله تعالى‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏{‏ ‏{‏فأينما تولوا‏{‏ شرط، ولذلك حذفت النون، و‏{‏أين‏{‏ العاملة، و‏{‏ما‏{‏ زائدة، والجواب ‏{‏فثم وجه الله‏{‏‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏تولوا‏{‏ بفتح التاء واللام، والأصل تتولوا‏.‏ و‏{‏ثم‏{‏ في موضع نصب على الظرف، ومعناها البعد، إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة، تكون بمنزلة هناك للبعد، فإن أردت القرب قلت هنا‏.‏

اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه ‏{‏فأينما تولوا‏{‏ على خمسة أقوال‏:‏ فقال عبدالله بن عامر بن ربيعة‏:‏ نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرجه الترمذي عنه عن أبيه قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏{‏‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث‏.‏ وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا‏:‏ إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق‏.‏

قلت‏:‏ وهو قول أبي حنيفة ومالك، غير أن مالكا قال‏:‏ تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك في الوقت، استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم، ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق أو غرب جدا مجتهدا، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره‏.‏ وقال المغيرة والشافعي‏:‏ لا يجزيه، لأن القبلة شرط من شروط الصلاة‏.‏ وما قاله مالك أصح، لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته‏.‏ أخرجه مسلم عنه، قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال‏:‏ وفيه نزلت ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏{‏‏.‏ ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله‏.‏ ولا يجوز لأحد أن يدع القبلة عامدا بوجهة من الوجوه إلا في شدة الخوف، على ما يأتي‏.‏

واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله، فمرة قال‏:‏ لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه‏.‏ قال سحنون‏:‏ فإن فعل أعاد، حكاه الباجي‏.‏ ومرة قال‏:‏ إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة، على ما يأتي بيانه‏.‏

واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة، فقال مالك وأصحابه والثوري‏:‏ لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، قالوا‏:‏ لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث بن سعد وداود بن علي‏:‏ يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا، لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر، فكل سفر جائز ذلك فيه، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ يصلي في المصر على الدابة بالإيماء، لحديث يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء‏.‏ وقال الطبري‏:‏ يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى رجليه ‏[‏بالإيماء‏]‏‏.‏ وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر‏.‏ وقال الأثرم‏:‏ قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر، فقال‏:‏ أما في السفر فقد سمعت، وما سمعت في الحضر‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ من تنفل في محمله تنفل جالسا، قيامه تربع، يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة، فقالوا‏:‏ كيف نصلي على رجل مات‏؟‏ وهو يصلي لغير قبلتنا، وكان النجاشي ملك الحبشة - واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية - يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية، ونزل فيه‏{‏وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله‏}‏آل عمران‏:‏ 199‏]‏ فكان هذا عذرا للنجاشي، وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة‏.‏ وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب، وهو الشافعي‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي‏:‏ يصلي على الغائب، وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له‏:‏ كيف حال فلان‏؟‏ فيقول له‏:‏ مات، فيقول‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏!‏ ثم يقول لنا‏:‏ قوموا فلأصل لكم، فيقوم فيصلي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهر من المدة، وبينه وبين بلده ستة أشهر‏.‏

والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي‏.‏ وقال علماؤنا رحمة الله عليهم‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي، كما دحيت له شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى‏.‏ وقال المخالف‏:‏ وأي فائدة في رؤيته، وإنما الفائدة في لحوق بركته‏.‏

الثاني‏:‏ أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه‏.‏ قال المخالف‏:‏ هذا محال عادة ملك على دين لا يكون له اتباع، والتأويل بالمحال محال‏.‏

الثالث‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا وميتا‏.‏ قال المخالف‏:‏ بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه تلحق الميت باتفاق‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ والذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من سنة الصلاة على الميت أثر، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه‏.‏

قلت‏:‏ والتأويل الأول أحسن، لأنه إذا رآه فما صلى على غائب وإنما صلى على مرئي حاضر، والغائب ما لا يرى‏.‏ والله تعالى اعلم‏.‏

القول الرابع‏:‏ قال ابن زيد‏:‏ كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا‏:‏ ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فنزلت‏{‏ولله المشرق والمغرب‏{‏ فوجه النظم على هذا القول‏:‏ أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس، وإن شاء أمرهم بالتوجه إلى الكعبة، فعل لا حجة عليه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏.‏

القول الخامس‏:‏ أن الآية منسوخة بقوله‏{‏وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏}‏البقرة‏:‏ 144‏]‏ ذكره ابن عباس، فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء كيف شاء ثم نسخ ذلك‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الناسخ قوله تعالى‏{‏فول وجهك شطر المسجد الحرام‏}‏البقرة‏:‏ 144‏]‏ أي تلقاءه، حكاه أبو عيسى الترمذي‏.‏

وقول سادس‏:‏ روي عن مجاهد والضحاك أنها محكمة، المعنى‏:‏ أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة‏.‏ وعن مجاهد أيضا وابن جبير لما نزلت‏{‏ادعوني استجب لكم‏{‏ قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ فنزلت‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏{‏‏.‏ وعن ابن عمر والنخعي‏:‏ أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه الله‏.‏ وقيل‏:‏ هي متصلة بقوله تعالى‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه‏}‏البقرة‏:‏ 114‏]‏ الآية، فالمعنى أن بلاد لله أيها المؤمنون تسعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية فاغتم المسلمون لذلك‏.‏ فهذه عشرة أقوال‏.‏ ومن جعلها منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا، لأنها محتملة لمعنى الأمر‏.‏ يحتمل أن يكون معنى ‏{‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏{‏‏:‏ ولوا وجوهكم نحو وجه الله، وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض‏.‏

اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة، فقال الحذاق‏:‏ ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا‏.‏ وقال ابن فورك‏:‏ قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا، كما يقول القائل‏:‏ رأيت علم فلان اليوم، ونظرت إلى علمه، وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم، كذلك إذا ذكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود‏.‏ وعلى هذا يتأول قوله تعالى‏{‏إنما نطعمكم لوجه الله‏}‏الإنسان‏:‏ 9‏]‏ لأن المراد به‏:‏ لله الذي له الوجه، وكذلك قوله‏{‏إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى‏}‏الليل‏:‏ 20‏]‏ أي الذي له الوجه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الوجه عبارة عنه عز وجل، كما قال‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ‏}‏الرحمن‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقال بعض الأئمة‏:‏ تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وضعف أبو المعالي هذا القول، وهو كذلك ضعيف، وإنما المراد وجوده‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة‏.‏ وقيل‏:‏ الوجه القصد، كما قال الشاعر‏:‏

أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

وقيل‏:‏ المعنى فثم رضا الله وثوابه، كما قال‏{‏إنما نطعمكم لوجه الله‏}‏الإنسان‏:‏ 9‏]‏ أي لرضائه وطلب ثوابه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من بنى مسجدا يبتغي به وجه لله بنى الله له مثله في الجنة‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو اعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي‏)‏ أي خالصا لي، خرجه الدارقطني‏.‏ وقيل‏:‏ المراد فثم الله، والوجه صلة، وهو كقوله‏{‏وهو معكم‏}‏ قاله الكلبي والقتبي، ونحوه قول المعتزلة‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن الله واسع عليم‏{‏ أي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم‏.‏ وقيل‏{‏واسع‏{‏ بمعنى أنه يسع علمه كل شيء، كما قال‏{‏وسع كل شيء علما‏}‏طه‏:‏ 98‏]‏‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء، دليله قوله تعالى‏{‏ورحمتي وسعت كل شيء‏}‏الأعراف‏:‏ 156‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب‏.‏ وقيل‏:‏ متفضل على العباد وغني عن أعمالهم، يقال‏:‏ فلان يسع ما يسأل، أي لا يبخل، قال الله تعالى‏{‏لينفق ذو سعة من سعته‏}‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏ أي لينفق الغني مما أعطاه الله‏.‏ وقد أتينا عليه في الكتاب ‏{‏الأسنى‏{‏ والحمد لله‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏116‏)‏

‏{‏وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقالوا اتخذ الله ولدا‏{‏ هذا إخبار عن النصارى في قولهم‏:‏ المسيح ابن الله‏.‏ وقيل عن اليهود في قولهم‏:‏ عزير ابن الله‏.‏ وقيل عن كفرة العرب في قولهم‏:‏ الملائكة بنات الله‏.‏ وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في ‏[‏ مريم ‏]‏ و‏[‏الأنبياء ‏]‏

قوله تعالى‏{‏سبحانه بل له‏{‏ الآية‏.‏ خرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن اتخذ صاحبة أو ولدا‏)‏

‏{‏سبحان‏{‏ منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة، من قولهم‏:‏ اتخذ الله ولدا، بل هو الله تعالى واحد في ذاته، أحد في صفاته، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة، ‏{‏أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء‏}‏الأنعام‏:‏ 101‏]‏ ولم يولد فيكون مسبوقا، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا‏.‏ ‏{‏بل له ما في السماوات والأرض‏{‏ ‏{‏ما‏{‏ رفع بالابتداء والخبر في المجرور، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع‏.‏ والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السموات والأرض‏.‏ وقد تقدم أن معنى سبحان الله‏:‏ براءة الله من السوء‏.‏

لا يكون الولد إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء، وقد قال‏{‏إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا‏}‏مريم‏:‏ 93‏]‏، كما قال هنا‏{‏بل له ما في السموات والأرض‏{‏ فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏.‏ ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية‏.‏ - على ما يأتي بيانه في سورة ‏{‏مريم‏{‏ إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبدا هذا محال، وما أدى إلى المحال محال‏.‏

قوله تعالى‏{‏كل له قانتون‏{‏ ابتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم حذف الهاء والميم‏.‏ ‏{‏قانتون‏{‏ أي مطيعون وخاضعون، فالمخلوقات كلها تقنت لله، أي تخضع وتطبع‏.‏ والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم‏.‏ فالقنوت الطاعة، والقنوت السكوت، ومنه قول زيد بن أرقم‏:‏ كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت‏{‏وقوموا لله قانتين‏}‏البقرة‏:‏ 238‏]‏ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام‏.‏ والقنوت‏:‏ الصلاة، قال الشاعر‏:‏

قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل

وقال السدي وغيره في قوله‏{‏كل له قانتون‏{‏ أي يوم القيامة‏.‏ الحسن‏:‏ كل قائم بالشهادة أنه عبده‏.‏ والقنوت في اللغة أصله القيام، ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏أفضل الصلاة طول القنوت‏)‏ قاله الزجاج‏.‏ فالخلق قانتون، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ أصله الطاعة، ومنه قوله تعالى‏{‏والقانتين والقانتات‏}‏الأحزاب‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى‏{‏وقوموا لله قانتين‏}‏البقرة‏:‏ 238‏]‏‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏117‏)‏

‏{‏بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون‏}‏

قوله تعالى‏{‏بديع السماوات والأرض‏{‏ فعيل للمبالغة، وارتفع على خبر ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع، كبصير من مبصر‏.‏ أبدعت الشيء لا عن مثال، فالله عز وجل بديع السموات والأرض، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال‏.‏ وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع‏.‏ وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري ‏(‏ونعمت البدعة هذه‏)‏ يعني قيام رمضان‏.‏

كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يجوز أن يكون لها أصل في الشرع أولا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسول عليه، فهي في حيز المدح‏.‏ وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه‏.‏ ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه‏:‏ نعمت البدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس، عليها، فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها، وجمع الناس لها، وندبهم إليها، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة‏.‏ وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسول فهي في حيز الذم والإنكار، قال معناه الخطابي وغيره‏.‏

قلت‏:‏ وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته‏:‏ ‏(‏وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة‏)‏ يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد بين هذا بقول‏:‏ ‏(‏من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء‏)‏‏.‏ وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله العصمة والتوفيق، لا رب غيره‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإذا قضى‏{‏ أي إذا أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ مما ببن الخصمين‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ قضى في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، قال أبو ذؤيب‏:‏

وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بواثق في أكمامها لم تفتق

قال علماؤنا‏{‏قضى‏{‏ لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، قال الله تعالى‏{‏فقضاهن سبع سماوات في يومين‏}‏فصلت‏:‏ 12‏]‏ أي خلقهن‏.‏ ويكون بمعنى الإعلام، قال الله تعالى‏{‏وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب‏}‏الإسراء‏:‏ 4‏]‏ أي أعلمنا‏.‏ ويكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏‏.‏ ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام، ومنه سمي الحاكم قاضيا‏.‏ ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى‏{‏فلما قضى موسى الأجل‏}‏القصص‏:‏ 29‏]‏‏.‏ ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى‏{‏فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون‏}‏غافر‏:‏ 68‏]‏ أي إذا أراد خلق شيء‏.‏ قال ابن عطية‏{‏قضى‏{‏ معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه‏.‏ وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد‏.‏

قوله تعالى‏{‏أمرا‏{‏ الأمر واحد الأمور، وليس بمصدر أمر يأمر‏.‏ قال علماؤنا‏:‏  والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها‏:‏

 

الأول‏:‏ الدين، قال الله تعالى‏{‏حتى جاء الحق وظهر أمر الله‏}‏التوبة‏:‏ 48‏]‏ يعني دين الله الإسلام‏.‏  الثاني‏:‏ القول، ومنه قوله تعالى‏{‏فإذا جاء أمرنا‏{‏ يعني قولنا، وقوله‏{‏فتنازعوا أمرهم بينهم‏}‏طه‏:‏ 62‏]‏ يعني قولهم‏.‏

 

الثالث‏:‏ العذاب، ومنه قوله تعالى‏{‏لما قضي الأمر‏}‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏ يعني لما وجب العذاب بأهل النار‏.‏

 

الرابع‏:‏ عيسى عليه السلام، قال الله تعالى‏{‏إذا قضى أمرا‏}‏آل عمران‏:‏ 47‏]‏ يعني عيسى، وكان في علمه أن يكون من غير أب‏.‏

 

الخامس‏:‏ القتل ببدر، قال الله تعالى‏{‏فإذا جاء أمر الله‏}‏غافر‏:‏ 78‏]‏ يعني القتل ببدر، وقوله تعالى‏{‏ليقضي الله أمرا كان مفعولا‏}‏الأنفال‏:‏ 42‏]‏ يعني قتل كفار مكة‏.‏

 

السادس‏:‏ فتح مكة، قال الله تعالى‏{‏فتربصوا حتى يأتي الله بأمره‏}‏التوبة‏:‏ 24‏]‏ يعني فتح مكة‏.‏

 

السابع‏:‏ قتل قريظة وجلاء بني الضير، قال الله تعالى‏{‏فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره‏}‏البقرة‏:‏ 109‏]‏‏.‏

 

الثامن‏:‏ القيامة، قال الله تعالى‏{‏أتى أمر الله‏}‏النحل‏:‏ 1‏]‏‏.‏

 

التاسع‏:‏ القضاء، قال الله تعالى‏{‏يدبر الأمر‏}‏يونس‏:‏ 3‏]‏ يعني القضاء‏.‏

 

العاشر‏:‏ الوحي، قال الله تعالى‏{‏يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ‏}‏السجدة‏:‏ 5‏]‏ يقول‏:‏ ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله‏{‏يتنزل الأمر بينهن‏}‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏ يعني الوحي‏.‏

 

الحادي عشر‏:‏ أمر الخلق، قال الله تعالى‏{‏ألا إلى الله تصير الأمور‏}‏الشورى‏:‏ 53‏]‏ يعني أمور الخلائق‏.‏

 

الثاني عشر‏:‏ النصر، قال الله تعالى‏{‏يقولون هل لنا من الأمر من شيء‏}‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ يعنون النصر، ‏{‏قل إن الأمر كله لله‏}‏آل عمران‏:‏ 154‏]‏ يعني النصر‏.‏

 

الثالث عشر‏:‏ الذنب، قال الله تعالى‏{‏فذاقت وبال أمرها‏}‏الطلاق‏:‏ 9‏]‏ يعني جزاء ذنبها‏.‏

 

الرابع عشر‏:‏ الشأن والفعل، قال الله تعالى‏{‏وما أمر فرعون برشيد‏}‏هود‏:‏ 97‏]‏ أي فعله وشأنه، وقال‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره‏}‏النور‏:‏ 63‏]‏ أي فعله‏.‏

قوله تعالى‏{‏فإنما يقول له كن‏{‏ قيل‏:‏ الكاف من كينونه، والنون من نوره، وهي المراد بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق‏)‏‏.‏ ويروى‏:‏ ‏(‏بكلمة الله التامة‏)‏ على الإفراد‏.‏ فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها، فإذا قال لكل أمر كن، ولكل شيء كن، فهن كلمات‏.‏ يدل على هذا ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى‏:‏ ‏(‏عطائي كلام وعذابي كلام‏)‏‏.‏ ‏"‏خرجه الترمذي في حديث فيه طول‏"‏‏.‏ والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة‏.‏ وإنما قيل ‏{‏تامة‏{‏ لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف‏:‏ حرف مبتدأ، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يسكت عليه‏.‏ وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص، كيد ودم وفم، وإنما نقص لعلة‏.‏ فهي من الآدميين المنقوصات لأنها على حرفين، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات‏.‏ ومن ربنا تبارك وتعالى تامة، لأنها بغير الأدوات، تعالى عن شبه المخلوقين‏.‏

قوله تعالى‏{‏فيكون‏{‏ قرئ برفع النون على الاستئناف‏.‏ قال سيبويه‏.‏ فهو يكون، أو فإنه يكون‏.‏ وقال غيره‏:‏ هو معطوف على ‏{‏يقول‏{‏، فعلى الأول كائنا بعد الأمر، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذا هو عنده معلوم، على ما يأتي بيانه‏.‏ وعلى الثاني كائنا مع الأمر، واختاره الطبري وقال‏:‏ أمره للشيء بـ ‏{‏كن‏{‏ لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه‏.‏ قال‏:‏ ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه، كما قال ‏{‏ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون‏}‏الروم‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وضعف ابن عطية هذا القول وقال‏:‏ هو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود‏.‏

وتلخيص المعتقد في هذه الآية‏:‏ أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات‏.‏ فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن‏.‏ وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم ولم يزل‏.‏ والمعنى الذي تقتضيه عبارة ‏{‏كن‏{‏‏:‏ هو قديم قائم بالذات‏.‏

وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل‏:‏ ففي أي حال يقول له كن فيكون‏؟‏ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده‏؟‏ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث‏؟‏ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة‏:‏

أحدها‏:‏ أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات‏.‏

الثاني‏:‏ أن الله عز وجل عالم هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن يقول لها‏:‏ كوني‏.‏ ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم‏.‏

الثالث‏:‏ أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا، كقول أبي النجم‏:‏

قد قالت الاتساع للبطن الحق

ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدوسي‏:‏

فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارا يقال له قع

وكما قال الآخر‏:‏

قالت جناحاه لساقيه الحقا ونجيا لحمكما أن يمزقا

 

الآية رقم ‏(‏118‏)‏

‏{‏وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية‏{‏ قال ابن عباس‏:‏ هم اليهود‏.‏ مجاهد‏:‏ النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولا‏.‏ وقال الربيع والسدي وقتادة‏:‏ مشركو العرب‏.‏ و‏{‏لولا‏{‏ بمعنى ‏{‏هلا‏{‏ تحضيض، كما قال الأشهب بن رميلة‏:‏

تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطري لولا الكمي المقنعا

وليست هذه ‏{‏لولا‏{‏ التي تعطي منع الشيء لوجود غيره، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن ‏{‏لولا‏{‏ بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر‏.‏ ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته‏.‏ والآية‏:‏ الدلالة والعلامة، وقد تقدم‏.‏ ‏{‏كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم‏{‏ ‏{‏الذين من قبلهم‏{‏ اليهود والنصارى في قول من جعل ‏{‏الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل ‏{‏الذين لا يعلمون‏{‏ اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل ‏{‏الذين لا يعلمون‏{‏ النصارى‏.‏ ‏{‏تشابهت قلوبهم‏{‏ قيل‏:‏ في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان‏.‏ وقال الفراء‏.‏ ‏{‏تشابهت قلوبهم‏{‏ في اتفاقهم على الكفر‏.‏ ‏{‏قد بينا الآيات لقوم يوقنون‏{‏ تقدم‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏119‏)‏

‏{‏إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا‏{‏ ‏{‏بشيرا‏{‏ نصب على الحال، ‏{‏ونذيرا‏{‏ عطف عليه، قد تقدم معناهما‏.‏ ‏{‏ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏{‏ قال مقاتل‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا‏)‏، فأنزل الله تعالى‏{‏ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏{‏ برفع تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على ‏{‏بشيرا ونذيرا‏{‏‏.‏ والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول‏.‏ وقال سعيد الأخفش‏:‏ ولا تسأل بفتح التاء وضم اللام ويكون في موضع الحال عطفا على ‏{‏بشيرا ونذيرا‏{‏‏.‏ والمعنى‏:‏ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم، لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم‏.‏ هذا معنى غير سائل‏.‏ ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار‏.‏ وقال ابن عباس ومحمد بن كعب‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ذات يوم‏:‏ ‏(‏ليت شعري ما فعل أبواي‏)‏‏.‏ فنزلت هذه الآية، وهذا على قراءة من قرأ ‏{‏ولا تسأل‏{‏ جزما على النهي، وهي قراءة نافع وحده، وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء، لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة‏.‏

والثاني‏:‏ وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال‏:‏ لا تسأل عن فلان‏!‏ أي قد بلغ فوق ما تحسب‏.‏ وقرأ ابن مسعود ‏{‏ولن تسأل‏}‏‏.‏ وقرأ أبي ‏{‏وما تسأل‏{‏، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم‏.‏ وقيل‏:‏ إنما سأل أي أبويه أحدث موتا، فنزلت‏.‏ وقد ذكرنا في كتاب ‏{‏التذكرة‏{‏ أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به، وذكرنا قول عليه السلام للرجل‏:‏ ‏(‏إن أبي وأباك في النار‏)‏ وبينا ذلك، والحمد لله‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏120‏)‏

‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏}‏فيه مسألتان‏:‏

الأولى‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏}‏ المعنى‏:‏ ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم‏.‏ يقال‏:‏ رضي يرضى رِضا ورُضا ورُضوانا ورِضوانا ومَرضاة، وهو من ذوات الواو، ويقال في التثنية‏:‏ رِضوان، وحكى الكسائي‏:‏ رِضَيان‏.‏ وحكي رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضى يراضي مُراضاة ورِضاء‏.‏ ‏{‏تتبع‏{‏ منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى، قاله الخليل‏.‏ وذلك أن حتى خافضة للاسم، كقوله‏{‏حتى مطلع الفجر‏}‏القدر‏:‏ 5‏]‏ وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل البتة، وما يخفض اسما لا ينصب شيئا‏.‏ وقال النحاس‏{‏تتبع‏{‏ منصوب بحتى، و‏{‏حتى‏{‏ بدل من أن‏.‏ والملة‏:‏ اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله‏.‏ فكانت الملة والشريعة سواء، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ما فعله العباد عن أمره‏.‏

الثانية‏:‏ تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى‏{‏ملتهم‏{‏ فوحد الملة، وبقوله تعالى‏{‏لكم دينكم ولي دين‏}‏الكافرون‏:‏ 6‏]‏، وبقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يتوارث أهل ملتين‏)‏ على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يرث المسلم الكافر‏)‏‏.‏ وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يتوارث أهل ملتين‏)‏، وأما قوله تعالى‏{‏ملتهم‏}‏ فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول‏:‏ أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل إن هدى الله هو الهدى‏{‏ المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم‏{‏ الأهواء جمع هوى، كما تقول‏:‏ جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم‏.‏ وفي هذا الخطاب وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه‏.‏ والثاني‏:‏ أنه للرسول والمراد به أمته، وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته‏.‏ وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدية، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم‏.‏

قوله تعالى‏{‏بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير‏{‏ مثل أحمد بن حنبل عمن يقول‏:‏ القرآن مخلوق، فقال‏:‏ كافر، فقيل‏:‏ بم كفرته‏؟‏ فقال‏:‏ بآيات من كتاب الله تعالى‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم‏}‏البقرة‏:‏ 145‏]‏ والقرآن من علم الله‏.‏ فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏121 ‏:‏ 123‏)‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون، يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين، واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين آتيناهم الكتاب‏{‏ قال قتادة‏:‏ هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب على هذا التأويل القرآن‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هم من أسلم من بني إسرائيل‏.‏ والكتاب على هذا التأويل‏:‏ التوراة، والآية تعم‏.‏ و‏{‏الذين‏{‏ رفع بالابتداء، ‏{‏آتيناهم‏{‏ صلته، ‏{‏يتلونه‏{‏ خبر الابتداء، وإن شئت كان الخبر ‏{‏أولئك يؤمنون به‏}‏‏.‏

واختلف في معنى ‏{‏يتلونه حق تلاوته‏{‏ فقيل‏:‏ يتبعونه حق اتباعه، باتباع الأمر والنهي، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه، قاله عكرمة‏.‏ قال عكرمة‏:‏ أما سمعت قول الله تعالى‏{‏والقمر إذا تلاها‏}‏الشمس‏:‏ 2 أي اتبعها، وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

قد جعلت دلوي تستتليني

وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏{‏يتلونه حق تلاوته‏{‏ قال‏:‏ ‏(‏يتبعونه حق اتباعه‏)‏‏.‏ في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد، إلا أن معناه صحيح‏.‏ وقال أبو موسى الأشعري‏:‏ من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة‏.‏ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها‏.‏ وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه‏.‏ وقيل‏:‏ يقرؤونه حق قراءته‏.‏

قلت‏:‏ وهذا فيه بعد، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه، ويفهمون معانيه، فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏124‏)‏

‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ فيه عشرون مسألة‏:‏

الأولى‏:‏ لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام، وأنه الذي بنى البيت، فكان من حق اليهود - وهم من نسل إبراهيم - ألا يرغبوا عن دينه‏.‏ والابتلاء‏:‏ الامتحان والاختبار، ومعناه أمر وتعبد‏.‏ وإبراهيم تفسيره بالسريانية فيما ذكر الماوردي، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية‏:‏ أب رحيم‏.‏ قال السهيلي‏:‏ وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم، لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين يموتون صغارا إلى يوم القيامة‏.‏

قلت‏:‏ ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة، وفيه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس‏.‏ وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة، والحمد لله‏.‏

وإبراهيم هو ابن تاريخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين‏.‏ وفي التنزيل‏{‏وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر‏}‏الأنعام‏:‏ 74‏]‏ وكذلك في صحيح البخاري، ولا تناقض في ذلك، على ما يأتي في ‏{‏الأنعام‏{‏ بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏ وكان له أربع بنين‏:‏ إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، على ما ذكره السهيلي‏.‏ وقدم على الفاعل للاهتمام، إذ كون الرب تبارك وتعالى مبتليا معلوم، وكون الضمير المفعول في العربية متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام، فاعلمه‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏إبراهيم‏{‏ بالنصب، ‏{‏ربه‏{‏ بالرفع على ما ذكرنا‏.‏ وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك‏.‏ والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل، وفيه بعد، لأجل الباء في قوله‏{‏بكلمات‏{‏‏.‏

الثانية‏:‏ قوله تعالى‏{‏بكلمات‏{‏ الكلمات جمع كلمة، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة، لأنه صدر عن كلمة وهي ‏{‏كن‏{‏‏.‏ وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز، قاله ابن العربي‏.‏

الثالثة‏:‏ واختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما، عشرة منها في سورة براءة‏{‏التائبون العابدون‏}‏التوبة‏:‏ 112‏]‏ إلى آخرها، وعشرة في الأحزاب‏{‏إن المسلمين والمسلمات‏}‏الأحزاب‏:‏ 35‏]‏ إلى آخرها، وعشرة في المؤمنون‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏المؤمنون‏:‏ 1‏]‏ إلى قوله‏{‏على صلواتهم يحافظون‏}‏المؤمنون‏:‏ 9‏]‏ وقوله في ‏{‏سأل سائل‏{‏‏{‏إلا المصلين‏{‏ إلى قوله‏{‏والذين هم على صلاتهم يحافظون‏{‏‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏النجم‏:‏ 37‏]‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ بالأمر والنهي، وقال بعضهم‏:‏ بذبح ابنه، وقال بعضهم‏:‏ بأداء الرسالة، والمعنى متقارب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هي قوله تعالى‏:‏ إني مبتليك بأمر، قال‏:‏ تجعلني للناس إماما‏؟‏ قال نعم‏.‏ قال‏:‏ ومن ذريتي‏؟‏ قال‏:‏ لا ينال عهدي الظالمين، قال‏:‏ تجعل البيت مثابة للناس‏؟‏ قال نعم‏.‏ قال‏:‏ وأمنا‏؟‏ قال نعم‏.‏ قال‏:‏ وترينا مناسكنا وتتوب علينا‏؟‏ قال نعم‏.‏ قال‏:‏ وترزق أهله من الثمرات‏؟‏ قال نعم‏.‏ وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم‏.‏ وأصح من هذا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن طاوس عن ابن عباس في قوله‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏{‏ قال‏:‏ ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد‏:‏ قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر‏.‏ وفي الجسد‏:‏ تقليم الأظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء، وعلى هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن‏.‏ و روى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضا، إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم، وموضع الاستنجاء الاستحداد‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هي مناسك الحج خاصة‏.‏ الحسن‏:‏ هي الخلال الست‏:‏ الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان‏.‏ قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام‏.‏

قلت‏:‏ وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول‏:‏ إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ وقار، قال‏:‏ يا رب زدني وقارا‏.‏ وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال‏:‏ أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله‏.‏ قال غيره‏:‏ وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل‏.‏ و روى معاذ بن جبل قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم‏)‏

قلت‏:‏ وهذه أحكام يجب بيانها والوقف عليها والكلام فيها، فأول ذلك ‏{‏الختان‏{‏ وما جاء فيه‏.‏

الرابعة‏:‏ أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن‏.‏ واختلف في السن التي اختتن فيها، ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفا‏:‏ ‏(‏وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة‏)‏‏.‏ ومثل هذا لا يكون رأيا، وقد رواه الأوزاعي مرفوعا عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة‏)‏‏.‏ ذكره أبو عمر‏.‏ وروي مسندا مرفوعا من غير رواية يحيى من وجوه‏:‏ ‏(‏أنه اختتن حين بلغ ثمانين سنة واختتن بالقدوم‏)‏‏.‏ ‏"‏كذا في صحيح مسلم وغيره‏"‏ ‏{‏ابن ثمانين سنة‏{‏، وهو المحفوظ في حديث ابن عجلان وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال عكرمة‏:‏ اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة‏.‏ قال‏:‏ ولم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون، هكذا قال عكرمة وقال المسيب بن رافع، ذكره المروزي‏.‏ و‏{‏القدوم‏{‏ يروي مشددا ومخففا‏.‏ قال أبو الزناد‏:‏ القدوم مشددا‏:‏ موضع‏.‏

الخامسة‏:‏ واختلف العلماء في الختان، فجمهورهم على أن ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ ذلك فرض، لقوله تعالى‏{‏أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا‏}‏النحل‏:‏ 123‏]‏‏.‏ قال قتادة‏:‏ هو الاختتان، وإليه مال بعض المالكيين، وهو قول الشافعي‏.‏ واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال‏:‏ لولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون‏.‏ وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب، والطب ليس بواجب إجماعا، على ما يأتي في ‏{‏النحل‏{‏ بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏ وقد احتج بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الختان سنة للرجال مكرمة للنساء‏)‏‏.‏ والحجاج ليس ممن يحتج به‏.‏

قلت‏:‏ أعلى ما يحتج به في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الفطرة خمس الاختتان‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث، وسيأتي‏.‏ و‏"‏روى أبو داود عن أم عطية ‏"‏أن امرأة كانت تختن النساء بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل‏)‏‏.‏ قال أبو داود‏:‏ وهذا الحديث ضعيف راويه مجهول‏.‏ وفي رواية ذكرها رزين‏:‏ ‏(‏ولا تنهكي فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل‏)‏

السادسة‏:‏ فإن ولد الصبي مختونا فقد كفي مؤنة الختان‏.‏ قال الميموني قال لي أحمد‏:‏ إن ههنا رجلا ولد له ولد مختون، فاغتم لذلك غما شديدا، فقلت له‏:‏ إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا‏.‏

السابعة‏:‏ قال أبو الفرج الجوزي حدثت عن كعب الأحبار قال‏:‏ خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين‏:‏ آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال محمد بن حبيب الهاشمي‏:‏ هم أربعة عشر‏:‏ آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان ‏(‏نبي أصحاب الرس‏)‏ ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين‏.‏

قلت‏:‏ اختلفت الروايات في النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أبو نعيم الحافظ في ‏{‏كتاب الحلية‏{‏ بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا‏.‏ وأسند أبو عمر في التمهيد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدثنا محمد بن أبى السري العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن عبدالمطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه ‏{‏محمدا‏}‏‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ هذا حديث مسند غريب‏.‏ قال يحيى بن أيوب‏:‏ طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ وقد قيل‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا‏.‏

الثامنة‏:‏ واختلفوا متى يختن الصبي، فثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا‏:‏ ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة‏.‏ وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام‏.‏ وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود‏.‏ ذكره عنه ابن وهب‏.‏ وقال الليث بن سعد‏:‏ يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر‏.‏ ونحوه روى ابن وهب عن مالك‏.‏ وقال أحمد‏:‏ لم أسمع في ذلك شيئا‏.‏ وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سئل ابن عباس‏:‏ مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ أنا يومئذ مختون‏.‏ قال‏:‏ وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام‏.‏

واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن، وكان عطاء يقول‏:‏ لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة‏.‏ وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن، ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته، قال ابن عبدالبر‏:‏ وعامة أهل العلم على هذا‏.‏ وحديث بريدة في حج الأغلف لا يثبت‏.‏ وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد وعكرمة‏:‏ أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته‏.‏

التاسعة‏:‏ قوله‏:‏ (1)‏ فالاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة‏.‏ وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى ولي عانته بيده‏.‏ و روى ابن عباس أن رجلا طلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ إلى عانته قال له‏:‏ اخرج عني، ثم طلى عانته بيده‏.‏ و روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر الشعر على عانته حلقه‏.‏ قال ابن خويز منداد‏:‏ وهذا يدل على أن الأكثر من فعله كان الحلق وإنما تنور نادرا، ليصح الجمع بين الحديثين‏.‏

العاشرة‏:‏ في تقليم الأظفار‏.‏ وتقليم الأظفار‏:‏ قصها، والقلامة ما يزال منها‏.‏ وقال مالك‏:‏ أحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال‏.‏ ذكره الحارث بن مسكين وسحنون عن ابن القاسم‏.‏ وذكر الترمذي الحكيم في ‏{‏نوادر الأصول‏{‏ له

حدثنا عمر بن أبي عمر قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر بن بلال الفزاري قال‏:‏ سمعت عبدالله بن بشر المازني يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من الطعام وتسننوا ولا تدخلوا علي قخرا بخرا‏)‏ ثم تكلم عليه فأحسن‏.‏ قال الترمذي‏:‏ فأما قص الأظفار فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر، وهو مجتمع الوسخ، فربما أجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنبا‏.‏ ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله، فلذلك ندبهم إلى قص الأظفار‏.‏ والأظافير جمع الأظفور، والأظفار جمع الظفر‏.‏ وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها في صلاته فقال‏:‏ ‏(‏وما لي لا أوهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء وفي أظافيره الجنابة والتفث‏)‏‏.‏ وذكر هذا الخبر أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بالكيا في ‏{‏أحكام القرآن‏{‏ له، عن سليمان بن فرج أبي واصل قال‏:‏ أتيت أبا أيوب رضي الله عنه فصافحته، فرأى في أظفاري طولا فقال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء فقال‏:‏ ‏(‏يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث‏)

وأما قوله‏:‏ ‏(‏ادفنوا قلاماتكم‏)‏ فإن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار أو في مزابل قذرة‏.‏ وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم كي لا تبحث عنه الكلاب‏.‏ حدثنا بذلك أبي رحمه الله تعالى قال‏:‏ حدثنا موسى بن إسماعيل قال‏:‏ حدثنا الهنيد بن القاسم بن عبدالرحمن بن ماعز قال‏:‏ سمعت عامر بن عبدالله بن الزبير يقول إن أباه حدثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال‏:‏ ‏(‏يا عبدالله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد‏)‏‏.‏ فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال‏:‏ ‏(‏يا عبدالله ما صنعت به‏؟‏‏)‏‏.‏ قال‏:‏ جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافيا عن الناس‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لعلك شربته‏؟‏‏)‏ قال نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لم شربت الدم، وويل للناس منك وويل لك من الناس‏)‏‏.‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا مالك بن سليمان الهروي قال‏:‏ حدثنا داود بن عبدالرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان‏:‏ الشعر، والظفر، والدم، والحيضة، والسن، والقلفة، والبشيمة‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏نقوا براجمكم‏)‏ فالبراجم تلك الغضون من المفاصل، وهي مجتمع الدرن ‏(‏واحدها برجمة‏)‏ وهو ظهر عقدة كل مفصل، فظهر العقدة يسمى برجمة، وما بين العقدتين تسمى راجبة، وجمعها رواجب، وذلك مما يلي ظهرها، وهي قصبة الأصبع، فلكل أصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام فإن لها برجمة وراجبتين، فأمر بتنقيته لئلا يدرن فتبقى فيه الجنابة، ويحول الدرن بين الماء والبشرة‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏نظفوا لثاتكم‏)‏ فاللثة واحدة، واللثات جماعة، وهي اللحمة فوق الأسنان ودون الأسنان، وهي منابتها‏.‏ والعمور‏:‏ اللحمة القليلة بين السنين، واحدها عمر‏.‏ فأمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وضر الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة، ويتأذى الملكان، لأنه طريق القرآن، ومقعد الملكين عند نابيه‏.‏ وروي في الخبر في قوله تعالى‏{‏ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‏}‏ق‏:‏ 18‏]‏ قال‏:‏ عند نابيه‏.‏ حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي قال‏:‏ سمعت أبي يذكر ذلك عن سفيان بن عيينة، وجاد ما قال، وذلك أن اللفظ هو عمل الشفتين يلفظ الكلام عن لسانه إلى البراز‏.‏ وقوله‏{‏لديه‏{‏ أي عنده، واللدى والعند في لغتهم السائرة بمعنى واحد، وكذلك قولهم ‏{‏لدن‏{‏ فالنون زائدة‏.‏ فكأن الآية تنبئ أن الرقيب عتيد عند مغلظ الكلام وهو الناب‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏تسننوا‏)‏ وهو السواك مأخوذ من السن، أي نظفوا السن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏لا تدخلوا علي قخرا بخرا‏)‏ فالمحفوظ عندي قحلا وقلحا وسمعت الجارود يذكر عن النضر قال‏:‏ الأقلح الذي قد اصفرت أسنانه حتى بخرت من باطنها، ولا أعرف القخر‏.‏ والبخر‏:‏ الذي تجد له رائحة منكرة لبشرته، يقال‏:‏ رجل أبخر، ورجال بخر‏.‏ حدثنا الجارود قال‏:‏ حدثنا جرير عن منصور عن أبي علي عن أبي جعفر بن تمام بن العباس عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏استاكوا، ما لكم تدخلون علي قلحا

الحادية عشرة‏:‏ في قص الشارب‏.‏ وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل نفسه، قاله مالك‏.‏ وذكر ابن عبدالحكم عنه قال‏:‏ وأرى أن يؤدب من حلق شاربه‏.‏ وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب‏:‏ هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربا من فعله‏.‏ وقال ابن خويز منداد قال مالك‏:‏ أرى أن يوجع من حلقه ضربا‏.‏ كأنه يراه ممثلا بنفسه، وكذلك بنتفه الشعر، وتقصيره عنده أولى من حلقه‏.‏ وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ذا لمة، وكان أصحابه من بين وافر الشعر أو مقصر، وإنما حلق وحلقوا في النسك‏.‏ وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص أظافره وشاربه قبل أن يخرج إلى الجمعة‏.‏ وقال الطحاوي‏:‏ لم نجد عن الشافعي في هذا شيئا منصوصا، وأصحابه الذين رأيناهم‏:‏ المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك أنهما أخذا ذلك عن الشافعي رحمه الله تعالى‏.‏ قال‏:‏ وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير‏.‏ وذكر ابن خويز منداد عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء‏.‏ وقال أبو بكر الأثرم‏:‏ رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا، وسمعته سئل عن السنة في إحفاء الشارب فقال‏:‏ يحفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏احفوا الشوارب‏)‏‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ إنما في هذا الباب أصلان‏:‏ أحدهما‏:‏ أحفوا، وهو لفظ محتمل التأويل‏.‏ والثاني‏:‏ قص الشارب، وهو مفسر، والمفسر يقضي على المجمل، وهو عمل أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب‏.‏ ‏"‏روى الترمذي عن ابن عباس‏"‏ قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من شاربه ويقول‏:‏ ‏(‏إن إبراهيم خليل الرحمن كان يفعله‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن غريب‏.‏ وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط‏)‏‏.‏ وفيه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى‏)‏‏.‏ والأعاجم يقصون لحاهم، ويوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا، وذلك عكس الجمال والنظافة‏.‏ ذكر رزين عن نافع أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى الجلد، ويأخذ هذين، يعني ما بين الشارب واللحية‏.‏ وفي البخاري‏:‏ وكان ابن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القبضة إذا حج أو اعتمر‏.‏ و‏"‏روى الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث غريب‏.‏

الثانية عشرة‏:‏ وأما الإبط فسنته النتف، كما أن سنة العانة الحلق، فلو عكس جاز لحصول النظافة، والأول أولى، لأنه المتيسر المعتاد‏.‏

الثالثة عشرة‏:‏ وفرق الشعر‏:‏ تفريقه في المفرق، وفي صفته صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن انفرقت عقيصته فرق، يقال‏:‏ فرقت الشعر أفرقه فرقا، يقال‏:‏ إن انفرق شعر رأسه فرقه في مفرقه، فإن لم ينفرق تركه وفرة واحدة‏.‏ خرج النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ سدل الشعر إرساله، والمراد به ههنا عند العلماء إرساله على الجبين، واتخاذه كالقصة، والفرق في الشعر سنة، لأنه الذي رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد روي أن عمر بن عبدالعزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون ناصية كل من لم يفرق شعره‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن الفرق كان من سنة إبراهيم عليه السلام، فالله اعلم‏.‏

الرابعة عشرة‏:‏ وأما الشيب فنور ويكره نتفه، ففي النسائي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة وكتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ وكما يكره نتفه كذلك يكره تغييره بالسواد، فأما تغييره بغير السواد فجائز، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قحافة - وقد جيء به ولحيته كالثغامة بياضا - ‏:‏ ‏(‏غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد‏)‏‏.‏ ولقد أحسن من قال‏:‏

يسود أعلاها ويبيض أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل

وقال الآخر‏:‏

يا خاضب الشيب بالحناء تستره سل المليك له سترا من النار

الخامسة عشرة‏:‏ وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام فقال‏:‏ ‏(‏فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏.‏ وفي‏"‏ صحيح البستي‏"‏ عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره وتقول‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إنه أعظم للبركة‏)‏

السادسة عشرة‏:‏ قلت‏:‏ وهذا كله في معنى ما ذكره عبدالرزاق عن ابن عباس، وما قاله سعيد بن المسيب وغيره‏.‏ ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في سورة ‏{‏النساء‏{‏ وحكم الاستنجاء في ‏{‏براءة‏}‏ وحكم الضيافة في ‏{‏هود‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏‏"‏ وخرج مسلم عن أنس‏"‏ قال‏:‏ وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة، قال علماؤنا‏:‏ هذا تحديد في أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان‏.‏ قال العقيلي‏:‏ في حديثه نظر‏.‏ وقال أبو عمر فيه‏:‏ ليس بحجة، لسوء حفظه وكثرة غلطه‏.‏ وهذا الحديث ليس بالقوي من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم، وأكثرهم على ألا توقيت في ذلك، وبالله التوفيق‏.‏

السابعة عشرة‏:‏ قوله تعالى‏{‏قال إني جاعلك للناس إماما‏{‏ الإمام‏:‏ القدوة، ومنه قيل لخيط البناء‏:‏ إمام، وللطريق‏:‏ إمام، لأنه يؤم فيه للمسالك، أي يقصد‏.‏ فالمعنى‏:‏ جعلناك للناس إماما يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون‏.‏ فجعله الله تعالى إماما لأهل طاعته، فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه - والله اعلم - أنه كان حنيفا‏.‏

الثامنة عشرة‏:‏ قوله تعالى‏{‏قال ومن ذريتي‏{‏ دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى، أي من ذريتي يا رب فاجعل‏.‏ وقيل‏:‏ هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون‏؟‏ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا يستحق الإمامة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ سأل إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته إمام، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏.‏

التاسعة عشرة‏:‏ قوله تعالى‏{‏ومن ذريتي‏{‏ أصل ذرية، فعلية من الذر، لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم عليه السلام كالذر حين أشهدهم على أنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذراري‏.‏ وقرأ زيد بن ثابت ‏{‏ذرية‏{‏ بكسر الذال و‏{‏ذرية‏{‏ بفتحها‏.‏ قال ابن جني أبو الفتح عثمان‏:‏ يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ‏:‏ أحدها‏:‏ ذرأ، والثاني‏:‏ ذرر، والثالث‏:‏ ذرو، والرابع‏:‏ ذري، فأما الهمزة فمن ذرأ الله الخلق، وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه، وذلك لما ورد في الخبر ‏(‏أن الخلق كان كالذر‏)‏ وأما الواو والياء، فمن ذروت الحب وذريته يقالان جميعا، وذلك قوله تعالى‏{‏فأصبح هشيما تذروه الرياح‏}‏الكهف‏:‏ 45‏]‏ وهذا للطفه وخفته، وتلك حال الذر أيضا‏.‏ قال الجوهري‏:‏ ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي نسفته، ومنه قولهم‏:‏ ذرى الناس الحنطة، وأذريت الشيء إذا ألقيته، كإلقائك الحب للزرع‏.‏ وطعنه فأذراه عن ظهر دابته، أي ألقاه‏.‏ وقال الخليل‏:‏ إنما سموا ذرية، لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر‏.‏ وقيل‏:‏ أصل ذرية، ذرورة، لكن لما كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياء، فصارت ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية‏.‏ والمراد بالذرية هنا الأبناء خاصة، وقد تطلق على الآباء والأبناء، ومنه قوله تعالى‏{‏وآية لهم أنا حملنا ذريتهم‏}‏يس‏:‏ 41‏]‏ يعني آباءهم‏.‏

عشرون‏:‏ قوله تعالى‏{‏قال لا ينال عهدي الظالمين‏{‏ اختلف في المراد بالعهد، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنه النبوة، وقال السدي‏.‏ مجاهد‏:‏ الإمامة‏.‏ قتادة‏:‏ الإيمان‏.‏ عطاء‏:‏ الرحمة‏.‏ الضحاك‏:‏ دين الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ عهده أمره‏.‏ ويطلق العهد على الأمر، قال الله تعالى‏{‏إن الله عهد إلينا‏}‏آل عمران‏:‏ 183‏]‏ أي أمرنا‏.‏ وقال‏{‏ألم أعهد إليكم يا بني آدم‏}‏يس‏:‏ 60‏]‏ يعني ألم أقدم إليكم الأمر به، وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏{‏ أي لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفا إن شاء الله تعالى‏.‏ و روى معمر عن قتادة في قوله تعالى‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏{‏ قال‏:‏ لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش وأبصر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني الظالمين، أي لا أؤمنهم من عذابي‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ الظالم هنا المشرك‏.‏ وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف ‏{‏لا ينال عهدي الظالمون‏{‏ برفع الظالمون‏.‏ الباقون بالنصب‏.‏ وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في ‏{‏عهدي‏{‏، وفتحها الباقون‏.‏

استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه‏.‏ فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل، لقوله تعالى‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم‏.‏ وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة‏.‏ والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض‏.‏ والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه‏.‏

قال ابن خويز منداد‏:‏ وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد‏.‏ وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض‏.‏ وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص‏.‏ وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا، فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم‏.‏

قال ابن خويز منداد‏:‏ وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال‏:‏ إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره‏.‏ وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال مسروق، ومال جيد حلال وقد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما - وإن كان الورع التنزه عنه - وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها‏.‏ وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم‏.‏ ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين‏.‏